علي بن يوسف القفطي

18

إنباه الرواة على أنباه النحاة

بأن أكون السّكيت ( 1 ) ، فلا تنسبّنى في ذلك إلى تقصير ، وكيف ولساني في الَّلسن غير ألكن وبنانى في البيان غير قصير ! ولقد أعددت للرياسة أسبابها ، ولبست لكفاح أهلها جلبابها ، وملكت من موادّها نصابها ، وضاربت أضرابها ، وباريتهم في ميدان الفضائل ، فكنت السابق وكانوا الفساكل ( 2 ) . وظننت أنى قد حللت من الدولة أمكن مكانها ، وأصبحت إنسان عينها وعين إنسانها ، إذا الظنون مخلفة ، وشفار العيون إلى الأعداء مرهفة ، والفرقة المظنونة بالإنصاف غير منصفة ، وصار ما اعتقدته من أسباب التقريب مبعدا ، ومن اعتقدته لي مساعدا غدا عليّ مسعدا ( 3 ) ، ومن أعددته لمرادى موردا أصبح لمثالبى موردا . وجست مقاصد المراشد فوجدتها بهم مقفلة ، ومتى أظهرت فضيلة اعتمدوا فيها تعطيل المشبهة وشبه المعطَّلة ( 4 ) » . « وإذا ركبت أشهب النهار لنيل مرام ، ركبوا أدهم الليل لنقض ذلك الإبرام ، وإن سمعوا منى قولا أذاعوا ، وإن لم يسمعوا اختلقوا من الكذب ما استطاعوا . وقد صرت كالمقيم وسط أفاع لا يأمن لسعها ، وكالمجاور لنار يتّقى شرها ويستكفى لذعها . واللَّه المسؤول توسيع الأمور إذا ضاقت مسالكها ، وهو المرجوّ لإصلاح قلوب الملوك على مماليكهم ؛ إذ هو رب الملكة ومالكها . وهأنا جاثم جثوم الليث في عرينه ، وكامن كمون الكميّ في كمينه . وأعظم كانت النار لهبا إذا قلّ دخانها ، وأشدّ ما كانت السفن جريا إذا سكن سكَّانها ( 5 ) والجياد تراض ليوم السباق ، والسهام تكنّ في كائنها لإصابة الأحداق ، والسيوف لا تنتضى من الأغماد إلا ساعة الجلاد ، واللآلئ لا تظهر من الأسفاط ( 6 ) إلا للتعليق

--> ( 1 ) السكيت في الأصل : الفرس العاثر الذي يجئ آخر الحلبة ، ويريد به ها هنا المتأخر عن أقرانه . ( 2 ) الفساكل : جمع فسكل ، وهو الفرس التالي للسكيت . ( 3 ) مسعدا : معينا . ( 4 ) المشبهة : طائفة تشبه صفات اللَّه تعالى بصفات غيره . والمعطلة : طائفة أخرى تقول بتعطيل بعض الصفات ؛ يريد أنهم إذا رأوا له فضلا يحاولون نفيه عنه . ( 5 ) السكان : ذنب السفينة . ( 6 ) الأسفاط : الأوعية .